recent
آخر المقالات

لماذا نقل المارشال ليوطي عاصمة المغرب من مدينة فاس إلى مدينة الرباط؟

لماذا نقل المارشال ليوطي عاصمة المغرب من مدينة فاس إلى مدينة الرباط؟

العنوان : Marshal Hubert Lyautey, May 1927
المؤلف : Georges Chevalier
الترخيص : CC BY 4.0 DEED

في سنة 1912، بدأ المارشال "لويس هوبير ليوطي ـ Louis Hubert Lyatey"، المزداد سنة 1854 بمدينة نانسي الفرنسية، مهامه كأول مقيم عام فرنسي في المغرب، بعد سنوات من الخدمة العسكرية في مختلف مستعمرات فرنسا، كالهند الصينية و مدغشقر و الجزائر، و امتدت فترة اشتغاله في المغرب 14 سنة حتى سنة 1925، و هي أطول فترة قضاها مقيم عام فرنسي بالمغرب.

بدايات مهام المارشال "ليوطي" في المغرب

لم تكن بدايات المارشال ليوطي في المغرب جيدة بالنسبة له، بعد إصطدامه بثورات القبائل المتاخمة لمدينة فاس عاصمة المملكة المغربية آنذاك، التي حاصرت المدينة احتجاجا على توقيع معاهدة الحماية، و كذلك قبائل أخرى في جبال الأطلس المتوسط و منطقة الريف، و اندلعت معارك عنيفة بين قواته و بين تلك القبائل، تكبدت خلالها القوات الفرنسية خسائر كبيرة، لكن في نهاية المطاف إستطاع "ليوطي" قمع و إخماد هذه الثورات.

كان "المارشال ليوطي" يصرح بخصوص ما قام به من مجازر اتجاة هذه القبائل الثائرة، أنها ليست عمليات غزو، بل إنها كانت فقط عمليات عسكرية هدفها التهدئة، و كذلك لإخضاع القبائل المتمردة على السلطان.

السياسة الإسلامية للمارشال"ليوطي" في المغرب

عُرف عن "المارشال ليوطي" ذكاءه و دهاءه السياسي و العسكري، و اتضح ذلك بعد أن وضع خطة عبقرية جدا، عُرفت تاريخيا بإسم السياسة الإسلامية لليوطي في المغرب، التي كان هدفها إحكام سيطرته على المغرب بشكل سلس، و اعتمدت هذه السياسة على مبدأ التوقير و الإحترام تجاه دين و عادات و تقاليد و أعراف المغاربة، و كذلك توقيره للمؤسسات الحاكمة، كالسلطان و القضاء و الأحباس و التعليم، و منع "ليوطي" المغاربة من ولوج الحانات، و أمر بتجريم السكر العلني، و مُنع على غير المسلمين دخول المساجد، و حظر كذلك الدعوة للديانة النصرانية أو التبشير، وكان الهدف من هذه الإجراءات بالنسبة ل "ليوطي"، كسب ثقة المغاربة، و أيضا بعدم شعورهم بأنهم يعيشون مع عنصر أجنبي في بلادهم.

يعتقد غالبية المؤرخين أن "المارشال ليوطي"، نجح في اعتماد نظام جنب فرنسا الكثير من الخسائر البشرية و المادية، بعد استطاعته أيضا استمالة كبار رجال الدين، و كذلك إستقطاب القواد و الباشاوات لصفه، بعد أن مكنهم من صلاحيات كبيرة في مناطق نفوذهم، لكن شريطة أن يضمنوا الأمن و الأمان فيها.

كان "المارشال ليوطي" دائم التصريح بأن المغرب بلد عتيق و عريق، و له تاريخ متميز و فريد، ذا مرجعية في المنطقة، و كان يصرح أيضا أن بلاده فرنسا ستقوم بإعداد جيل من السياسيين و الإقتصاديين، كي تسلمهم مقاليد الإقتصاد و الدولة.

دعوات من المساجد بالشفاء للمارشال"ليوطي" من المرض

كل هذه الأمور دفعت شريحة كبيرة من المغاربة، لمبادله "المارشال ليوطي" الود و الإحترام، لدرجة أنه رُفعت الدعوات من على منابر المساجد، بالشفاء ل "ليوطي" بعد إصابته سنة 1923 بمرض الإلتهاب الكبدي، و كان يشاع بين المغاربة أن "المارشال ليوطي" إعنتق الدين الإسلامي في فترة ولايته كمقيم عام في المملكة المغربية.

دعاية المارشال "ليوطي" للمغرب | المملكة السعيدة

قام "المارشال ليوطي" بدعاية ذكية في محاولة منه إستقطاب الفرنسيين إلى المغرب، سواء كانوا من القاطنين في فرنسا أو من الفرنسيين الذين يستوطنون الجزائر، بعد أن غازلهم بعبارات رنانة عن المغرب، بعد أن وصفه ب "مغرب المدن الإمبراطورية" و "المملكة السعيدة" و "كاليفورنيا الفرنسية".

نجحت دعاية "المارشال ليوطي"، و استطاع جلب مستثمرين و سياح و كذلك مهاجرين للمغرب، و العبارات السابقة للذكر التي وصف بها "المارشال ليوطي" للمغرب، هي حقا العين التي كان ينظر بها للمملكة، و يؤكد المؤرخون أن "ليوطي" عشق المغرب حد الجنون.

وفاة المارشال "ليوطي"

عاد "المارشال ليوطي" إلى فرنسا سنة 1925 بعد انتهاء ولايته كمقيم عام في المغرب، لكنه صرح مرارا بعشقه و تعلقه بالمملكة، بل إنه أوصى بأن يدفن بالمغرب بعد وفاته، و أن يكون مكتوبا على ضريحه العبارة التالية :
"هنا يرقد لويس هوبير ليوطي، أول مقيم عام لفرنسا في المغرب، المتوفى في رحم الديانة الكاثوليكية التي حصل في إطار إيمانه العميق بها، على آخر الأسرار المسيحية، والذي كان يحترم بعمق تقاليد الأسلاف والدين الإسلامي الذي حافظ عليه ومارسه سكان المغرب، حيث أراد أن يرقد، بين رحابهم، في هذه الأرض التي أحبها بشدة"

توفي "المارشال ليوطي" يوم 21 من يوليوز سنة 1934، و تم دفنه في المغرب، لكن في سنة 1961 تم نقل رفاته إلى فرنسا و تم إعادة دفنه في "ليزانفاليد ـ Les Invalides" بالعاصمة الفرنسية باريس.

المارشال "ليوطي" و العلم المغربي 

للمارشال ليوطي العديد من الأحداث التي غيرت من شكل و التاريخ المستقبلي للمغرب، فالمارشال قام بالضغط على سلطان المغرب آنذاك "مولاي عبد الحفيظ" للتنازل عن حكمه للبلاد الذي امتد من سنة 1908 إلى سنة 1912، لصالح أخيه "مولاي يوسف" الذي حكم المغرب من سنة 1912 إلى سنة 1929، و كذلك قام بتغيير شكل العلم المغربي الذي مازالت معتمدا لحد الآن.

المارشال "ليوطي" و نقل العاصمة من فاس إلى الرباط

كانت مدينة فاس التي تأسست سنة 807 ميلادية، هي عاصمة المملكة لقرون طويلة، و سلمت هذه الميزة في حقب متفاوتة لمدن أخرى كمراكش و مكناس، لكنها كانت هي العاصمة الأولى و التاريخية للمملكة، و مركز القرار في البلاد منذ تأسيسها من طرف "إدريس الثاني".

لكن مع فرض نظام الحماية على المغرب من طرف فرنسا، سعت هذه الأخير إلى نقل العاصمة من مدينة فاس لمكان آخر، بحكم الإحتجاجات و العمليات المسلحة التي شهدتها المدينة، و من الأحداث التي سرعت في تفعيل خطة نقل العاصمة من فاس إلى مدينة أخرى، هي المذبحة التي ذهب ضحيتها أزيد من 800 شخص من سكان فاس، بعد قيامهم بمظاهرات و احتجاجات تؤكد رفضهم لتوقيع معاهدة الحماية الفرنسية على المغرب، و سميت هذه الأحداث بثورات ربيع و صيف عام 1912.

كانت سنة 1912 موعدا لنقل العاصمة من مدينة فاس إلى مدينة الرباط، التي تقع على سواحل الأطلسي، و قامت فرنسا ببناء قصر جديد للسلطان بها، و كذلك شيدت جميع المصالح الإدارية و القضائية و العسكرية بها.

بنقل العاصمة من مدينة فاس إلى مدينة الرباط، تكون الإقامة العامة الفرنسية، قد عزلت السلطان "مولاي يوسف" عن الفقهاء و العلماء و النخبة المثقفة و رجال المقاومة المتمركزة في فاس، الرافضين لنظام الحماية الذي فرضته فرنسا على المغرب.

إعادة الإعتبار لمدينة فاس

العديد من النشطاء يطالبون بإعادة الإعتبار لمدينة فاس، لأن حقها سُلب منها غصبا، بنقل العاصمة منها إلى مدينة أخرى، و يطالبون كذلك اعتبارها عاصمة للمغرب بشكل رمزي أو شرفي، و الإبقاء على الرباط عاصمة سياسية فعلية للمملكة، و أبرز نموذج على ذلك، هو دولة هولندا التي تعتبر أمستردام هي العاصمة الرسمية للبلاد، لكن بشكل رمزي فقط، فيما مدينة لاهاي هي العاصمة الإدارية و السياسية لبلاد الطواحين.
google-playkhamsatmostaqltradent
تعريف الارتباط

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان حصولك على أفضل تجربة.