السيرك الشعبي المغربي | موطور الخطر.
في فترة الطفولة و إبان شهر رمضان، كان يقام سيرك شعبي في مدينتي، هو ليس بتلك الصورة المعروفة عن السيركات العالمية، بل إنه سيرك شعبي بسيط فُصلت تفاصيله، كي تناسب المشاهد الشعبي المغربي، و كان يقام هذا السيرك في مكان خلاء وسط المدينة، أصبح الآن إقامات سكنية.
كنت يوميا الذهاب إلى هناك رفقة أبناء الحي كمتطفلين فقط، في إنتظار يوم من أيام الشهر الفضيل، الذي يصحبنا فيه والدي رحمة الله عليه إليه رفقة إخوتي، كي نستمتع ببعض فقرات عروض ذلك السيرك.
السيرك | كازينو كبير
كان هذا السيرك عبارة عن حلقات موزعة على تلك البقعة الأرضية، كل نشاط له إستقلاليته، ليس هناك عروض مبرمجة حسب توقيت و ترتيب معينين، بل إن كل عارض له أسلوبه و طريقته في إدارة عروضه، و هذا السيرك عبارة عن كازينو عشوائي، فيه العديد من العروض الخاصة بالقمار.
عرض الكارطة
هناك عروض تُستعمل فيها أوراق اللعب "الكارطة"، بحيث يقوم العارض بإغراء الزبناء، بأن يرمي لهم الطعم عن طريق تمكينهم من الربح في أولى الجولات، فاللعبة أو الخدعة التي يقوم بها العارض، هو أنه يقوم بوضع ثلاثة صفوف من الأوراق بعد أن يُريَ الزبون الورقات، ثم يقوم بخفة مكتسبة بإلقائها على الطاولة، و يُتخيل للزبون أن الأوراق سوف تكون مصفوفة كما أشار إليه تخمينه، ليقوم بعد ذلك بوضع نقوده فوق الورقة التي حسب إعتقاده هي الرابحة، ليفاجئ بعد أن يُديرها العارض أنها ليست كما توقع، و أن نقوده لم تعد ملك له، بل أصبحت ملك صاحب ذلك العرض.
عرض الرجل المرأة
من العروض التي يكون أساسها القمار أيضا، هو عرض كان يقام على منصة كبيرة مقارنة مع نظيراتها الموجودة في السيرك، و تكون مملوءة بالأواني و بعض المستلزمات المنزلية الأخرى، بحيث يقوم صاحب العرض من خلال مكبر الصوت، بمحاولة إستقطاب الزبناء، لكن الشيء الذي كان يجلب له أولئك الزبائن، هو ذلك "الرجل | المرأة"، الذي يلبس قفطانا أو تكشيطة نسائية، و مُلطِخا وجهه بمكياج صارخ، منظر كان مثيرا للإشمئزاز صراحة، لكن كل ممنوع مرغوب، فهذا العرض كان له عشاق كثر، و تجد أمامه جمع غفير من الناس، غالبيتهم كان غرضهم مشاهدة ذلك الرجل المرأة.عرض أوراق الحظ الملونة
من الأمور الطريفة التي كانت تصحب تلك العروض، هي الأوراق الملونة التي تحمل أرقاما مختلفة، و هي أرقام حظ المشاركين الذين ودوا أن يجربوا حظهم في تلك اللعبة، إذ أن كل مشارك منهم، يؤخد ورقة مقابل دفعه لقدر مالي معين، في إنتظار عملية دوران العجلة، التي بها أرقام و سهم كبير مثل أسهم عقارب الساعات، فعند إشارة السهم إلى رقم معين يكون صاحبه هو الرابح، و غالبا ما كانت ترمى تلك الأوراق في محيط السرك، و كنا نحن الأطفال نقوم بجمعها، و إعادة ترتيبها حسب ألوانها، و كنا نتخيلها أوراق نقدية، و من تكون له أوراق كثيرا بيننا نحن الرفاق، يكون هو الأغنى، منطق طفولي غريب.
لعبة القنينات الغازية
يكون في هذا السيرك أيضا عروض مشابهة لما ذكرت، لكنها تكون بأحجام متوسطة أو صغيرة، بها أيضا أواني معروضة للربح، بالإضافة إلى عرض آخر تكون به قنينات المشروبات الغازية، و تكون موضوعة على الأرض، ثم يقوم المسؤول عن ذلك العرض بإعطاء الزبون حلقة دائرية، و ذلك مقابل مادي بسيط، و يكون الغرض من هاته اللعبة هو رمي تلك الحلقة، و جعلها تسقط لتصبح القنينة وسطها، و إن إستطاع المشارك فعل ذلك يفوز بشيء من المعروضات.لعبة الإسفنج و البركة المائية
كان هناك عرض آخر هو عبارة عن بركة مائية، بها العديد من قطع الإسفنج ذات اللون الأحمر إن لم تخني الذاكرة، و بها أرقام تكون من الأسفل غير مرئية بالنسبة للمشاركين، بحيث يقوم أي شخص أراد أن يشارك في هاته اللعبة، أن يرمي قطعة نقدية معدنية تكون إبتداء من 20 سنتيما، و يجب على المشارك أن يضعها فوق إحدى قطع الإسفنج ، و إن نجح في ذلك يقوم المسؤول عن ذلك العرض بلف تلك القطعة الإسفنجية، و كيفما كان الرقم الموجود بها، يضاعف المبلغ الذي شارك به، فمثلا إن كان الرقم هو 5، فيضرب في 20 سنتيما ليصبح المبلغ المربوح هو 100 سنتيم، و إن كان الرقم هو 10، فيضرب في 20، فيكون المبلغ المحصل عليه هو 200 سنتيم و هكذا، كما أنه ممكن أن يكون الصفر رقما محتملا وجوده تحت الإسفنج، فتضيع على المشارك بالتالي نقوذه، و هذا ما يقع غالبا، و كما ذكرت سابقا، أن هذا الفضاء السيركي، هو عبارة عن كازينو للعب القمار بإمتياز، و لو في أبسط تجلياته، و هي أعمال منافية للدين و الشرع.
الساحر و الفتاة
كان هناك عرض آخر هو عبارة عن قاعة كانت تسمى مسرحا، و الحقيقة أنها لا تحمل من المسرح سوى الإسم، بحيث يكون المكان فوضويا و معد بشكل عشوائي، فالكراسي متهالكة و مصطفة بشكل غير منظم، و يكون مكونا من شخصين، هما الساحر إن إفترضناه أنه كذلك و فتاة، و العرض يكون عبارة عن عروض سحرية بدائية، و غالبا ما يكون عرضه مقتصرا عن التنويم المغناطيسي، و رفع الفتاة و هي مستلقية بدون أي دعامات تحتها.
سلاح البندقية
من العروض الجميلة التي كانت تعجبني في ذلك السيرك، هو عرض سلاح البندقية، و هو عبارة عن موقع صغير، به صندوق خشبي يضم قطعا من الطباشير مصفوفة بالترتيب، و يقوم المسؤول عن ذلك العرض بإعطاء الزبون بندقية، و ذلك مقابل مادي بسيط، كي يصوب على أحد الطباشير المصفوفة، من خلال أعيرة معدنية محشوة داخل البندقية.
سيارات التصادم
عندما كان يأخذنا والدي رحمه الله إلى السيرك، يكون شغفي الأول مقرونا بلعبة سيارات التصادم "طوموبيلات التساطيح"، فكان هو العرض الأروع و الممتع بالنسبة لي، فكنت أود أن أبقى لاهيا فيه أطول وقت ممكن، لكن لا يجب أن أطلب بأكثر من المسموح به، و تكون سعادتي كبيرة حين يبادر والدي بمنحي فرصة أخرى للإستمتاع، كأنه أحس بما يجول في خاطري.حائط الموت | موطور الخطر
لكن يبقى الإستعراض الأقوى في سيرك، و هو العرض الوحيد كذلك الذي ممكن أن يُطلق عليه عرض سِيركي، و هو العرض الذي كان بالنسبة لي في تلك الفترة، كأنه من عالم غير عالمنا، إنه عرض "حائط الموت" أو كما كان يطلق عليه "موطور الخطر"، بحيث تُقدم العروض في حلبة دائرية الشكل، و على جدار خشبي شاهق، بينما نحن المشاهدين نكون في مكان أعلى الحلبة، و تبدأ الإثارة مع عملية الصعود إلى تلك الحلبة التي تتسم بالصعوبة، بحيث يكون عبر سلالم خشبية مشدودة بالحبال.يبدأ العرض الرهيب بقيام سائق دراجة نارية، بدوران سريع، تصل سرعته ل "120 كلم في الساعة"، ترافقها أحيانا حركات شبه بهلوانية في منتهى الخطورة، و بسرعة السائق المفرطة، تكون دورته في لمح البصر، بحيث أجده بقربي بإستمرار، و مما يزيد العرض رعبا هو الإهتزاز الكبير للحلبة الذي نشعر به نحن المتفرجون، و يبدأ قلبي في الإنقباض خوفا من سقوط و إنهيار الحلبة.
و مما يضفي على العرض إثارة، هو ضجيج محرك الدراجة، بالإضافة إلى صوت أحد أعضاء الفرقة، الذي يبدأ في إثارة من في المكان، من خلال أحد مكبرات الصوت المتواجدة في مكان العرض، و كنت دائما أطرح سؤالا على نفسي و على والدي، ماذا لو سقط السائق، فالأكيد أنه سوف يكون من عداد الموتى، فسرعته و ضيق المكان سوف يكونان عاملان مؤثران في ذلك، هذا إن لم يصب معه أحد المتفريجين في حالة وقوع هاته الكارثة لا قدر الله.
علي بلحسين | موطور الخطر
لا يمكن الحديث عن عرض حائط الموت موطور الخطر، دون الحديث عن الأب الروحي و المؤسس الفعلي له في المغرب، و هو الراحل "علي بلحسين"، الذي على يده تعلم العديدون من رواد هذا العرض الرهيب، الذي يسير نحو الإندثار و الإنقراض.
