عمر المختار | بين الفيلم و الحقيقة.
غالبيتنا تتذكر الفيلم الملحمي "أسد الصحراء - Lion Of The Desert"، الذي يحكي قصة نضال المجاهد و الشهيد الليبي عمر المختار ضد المستعمر الإيطالي، هذا الفيلم الذي أُنتج سنة 1981 كان من إبداع المخرج السوري الكبير الراحل مصطفى العقاد، مخرج الفيلم الرائع الآخر الرسالة، و لقد قام الممثل الهوليودي الشهير "أونطوني كوين - Antony Quinn" بتجسيد شخصية عمر المختار، و لقد برع في ذلك إلى أبعد الحدود، فهل حقا ما شهدناه من أحداث في الفيلم تعكس فعلا ما كان يحدث واقعيا على أرض ليبيا؟
فكرة مشروع فيلم أسد الصحراء
فكرة مشروع فيلم أسد الصحراء جاءت بعد النجاح الباهر لفيلم الرسالة الذي صُور في ليبيا و المغرب، إقترح القذافي على مصطفى العقاد، مشروع فيلم يحكي قصة نضال الشهيد عمر المختار، و كانت كل الظروف مواتية لإنجاح هذا العمل، فالتمويل تكلف به العقيد القذافي و مكان التصوير كان مثاليا بعد إختيار واحات خلابة تبعد عن مدينة بنغازي ب 60 كلم فقط، و طاقم العمل الفني و التقني هو نفسه من عمل في فيلم الرسالة، لتكون سنة 1979 موعد بداية تصويره، و سنة 1981 موعد عرضه، و لقد أُختير الممثلون "أنطوني كوين" لدور "عمر المختار" و "أوليفر ريد" لدور "غراتسياني" و "أيرين باباس" لدور "مبروكة" و "راف فالون" لدور "ديوديتشي".
من هو عمر المختار
هو عمر بن المختار بن عمر المنفي نسبة لقبيلة المنفة، ولد سنة 1862 بنواحي مدينة برقة التاريخية، و بالضبط في قرية تُسمى جنزور بمنطقة الجبل الأخضر شرق ليبيا، تُوفي والده عندما كان متوجها إلى الحج و عمر المختار مازال طفلا صغيرا، ليقوم أحد أصدقاء والده، و هو الشيخ "حسين الغرياني" برعايته و الإهتمام به، و لقد قام بإدخاله لمدرسة تُعنى بتحفيظ و تدريس القرآن الكريم و العلوم الشرعية، ليصبح بعدها رجلا بثقافة دينية كبيرة، و كذلك تميز بالحكمة التي خولت له أن يكون حكما فاصلا بين العديد من القبائل.
حروب عمر المختار ضد الفرنسيين و البريطانيين
شق عمر المختار طريقه نحو الزعامة مبكرا، و ذلك بأن توجه إلى تشاد التي كانت آنذاك تابعة للأراضي الليبية السنوسية، و شارك في المعارك التي خاضتها المقاومة الليبية هناك، ما بين سنوات 1899 و 1902 ضد الفرنسيين الذين إحتلوا المنطقة، و في سنة 1908 شارك أيضا في العديد من المعارك بين السنوسيين و القوات البريطانية على الحدود الليبية المصرية، و في أواخر سنة 1911 أعلنت إيطاليا رسميا الحرب على الدولة العثمانية، و التي كانت ليبيا إمتدادا لها، لتبدأ السفن الحربية الإيطالية بقصف مدن الساحل الليبي.عمر المختار و الغزو الإيطالي
بعد إنسحاب الأتراك من ليبيا سنة 1912 بموجب معاهدة لوزان، و التي تنازل فيها العثمانيون عن ليبيا لصالح إيطاليا، تولى عمر المختار قيادة المجلس الأعلى للعمليات الجهادية ضد المحتل الإيطالي، لتكون أولى معاركه ضدهم هي معركة "السلاوي" أواخر سنة 1911، و التي تُعتبر من أعظم المعارك التي خاضتها المقاومة الليبية ضد الغزاة الإيطاليين.
رغم إنسحاب السنوسيين و نزوحهم إلى مصر سنة 1922، لم يستسلم عمر المختار أبدا، و إستمر في القتال بضراوة، ملحقا رفقة رجاله هزائم نكراء بالإيطاليين، و متسببا كذلك في مقتل أعداد كبيرة جدا من ضباطهم و جنودهم، في معارك عديد قُدرت بالمئات لمدة ناهزت 20 سنة، و عندما حوصر من طرف الإيطاليين رفقة رجاله سنة 1926 في الجبل الأخضر، لجأ إلى القتال بأسلوب حروب العصابات، أذاق فيها قياصرة روما مرارة الهزائم النكراء، و هذا ما جعل الإيطاليين يطلبون التفاوض معه سنة 1929، لكنه أبى ذلك مطالبا إياهم بالخروج من ليبيا، و هو الأمر الذي رفضه الإيطاليون، لتستأنف الحرب بينهم مرة أخرى.
أسر و إعدام عمر المختار
لكن للأسف في إحدى المعارك سنة 1931، وقع عمر المختار أسيرا في يد الإيطاليين، ليقدم لمحاكمة عسكرية صورية في بنغازي، حكمت عليه بالإعدام شنقا، لينفذ فيه الحكم أمام الآلاف من الليبيين، صباح يوم 16 من سبتمبر سنة 1931، و لقد سجل التاريخ كلماته الأخيرة قبيل إعدامه، عندما قال للضابط الإيطالي الذي كان يحقق معه، "نحن لا نستسلم، ننتصر أو نموت، و هذه ليست النهاية، بل سيكون عليكم أن تحاربوا الجيل القادم، والأجيال التي تليه، أما أنا فإن عمري سيكون أطول من عمر شانقي".
في سنة 2008 قام الرئيس الوزراء الإيطالي وقتها سيلفيو برلسكوني، بالإنحناء أمام محمد نجل عمر المختار معتذرا له، و للشعب الليبي عن الفظائع التي قامت بها بلاده في حق الشعب الليبي.
